أحمد بن محمد المقري التلمساني
417
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
تركت قلبي وأشواقي تفطّره * ودمع عيني وأحداقي تحدّره لو كنت تبصر في تدمير حالتنا * إذن لأشفقت مما كنت تبصره فالعين دونك لا تحلى بلذّتها * والدّهر بعدك لا يصفو تكدّره أخفي اشتياقي وما أطويه من أسف * عن البرية والأنفاس تظهره قال في المطمح : هو شاعر مادح ، وعلى أيك الندى صادح ، لم ينطقه إلّا معن أو صمادح ، فلم يرم مثواهما « 1 » ، ولم ينتجع سواهما ، واقتصر على المرية ، واختصر قطع المهامه وخوض البرّيّة « 2 » ، فعكف فيها ينثر درره في ذلك المنتدى ، ويرشف أبدا ثغور ذلك النّدى ، مع تميّزه بالعلم ، وتحيّزه إلى فئة الوقار والحلم ، وانتمائه إلى آية سلف ، ومذهبه مذاهب أهل الشّرف ، وكان له لسن ورواء « 3 » يشهدان له بالنباهة ، ويقلّدان كاهله ما شاء من الوجاهة ، وقد أثبتّ له بعض ما قذفه من درره ، وفاه به من محاسن غرره ؛ فمن ذلك قوله : [ الطويل ] إلى الموت رجعي بعد حين فإن أمت * فقد خلّدت خلد الزمان مناقبي وذكراي في الآفاق طيبا كأنها * بكلّ لسان طيب عذراء كاعب « 4 » ففي أيّ علم لم تبرّز سوابقي * وفي أيّ فنّ لم تبرّز كتائبي وحضر مجلس المعتصم بحضور ابن اللبّانة فأنشد فيه قصيدا أبرز به من عرا الإحسان ما لم ينفصم واستمرّ فيها يكمل « 5 » بدائعها وقوافيها ، فإذا هو قد أغار على قصيد ابن الحداد الذي أوّله : [ الكامل ] عج بالحمى حيث الظّباء العين « 6 » فقال ابن الحداد مرتجلا : [ الكامل ] حاشا لعدلك يا ابن معن أن يرى * في سلك غيري درّي المكنون وإليكها تشكو استلاب مطيّها : * عج بالحمى حيث الظّباء العين
--> ( 1 ) رام المكان يريمه : أقام به وثبت . ( 2 ) المهامه : جمع مهمه ، وهي الصحراء الواسعة التي لا ماء فيها . والبرية : الصحراء . ( 3 ) الرواء : حسن المنظر . ( 4 ) في ب ، ه : « وذكري في الآفاق طار كأنه » . والكاعب : الفتاة كعب ثدياها . ( 5 ) في ب ، ه : « يستكمل بدائعها » . ( 6 ) في المطمح « حيث الخماص العين » .